
ربما كان ألمر مكوردي واحدًا من أكثر اللصوص سوءًا في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه بالتأكيد كان واحدًا من أكثرهم غرابة، فالرجل الذي عاش في بداية القرن العشرين لم يحقق شهرة حقيقية وهو على قيد الحياة، ولم يصبح من كبار الخارجين على القانون كما كان يحلم. لكن موته كان بداية قصة أغرب بكثير من حياته، قصة جعلت جثته تسافر لعشرات السنين بين السيرك ومدن الملاهي وبيوت الرعب، حتى نسي الجميع أنها جثة إنسان حقيقية.
وفي النهاية، احتاج الأمر إلى حادثة غريبة أثناء تصوير مسلسل تلفزيوني لكي يكتشف الناس أن الرجل الذي ظل معلقًا أمامهم لسنوات لم يكن تمثالًا ولا دمية… كان إنسانًا ميتًا.
فما القصة؟
ولد ألمر مكوردي عام 1880، وعاش حياة لم تكن تبدو منذ بدايتها طريقًا إلى المجد. لم يكن من أصحاب الحظ، وفشل في أكثر من عمل، ثم اتجه في النهاية إلى عالم الجريمة، باحثًا عن طريق سريع للحصول على المال، اختار سرقة القطارات، وهي مهنة كانت رائجة بين الخارجين على القانون في ذلك الزمن، وشكل مجموعة صغيرة من اللصوص.
لكن مشكلة مكوردي لم تكن في الشرطة وحدها، كانت مشكلته الأكبر هي سوء حظه، ففي إحدى أشهر عملياته، تمكن مكوردي ورفاقه من الاستيلاء على قطار، ووصلوا إلى خزنة ضخمة ظنوا أن بداخلها ثروة كبيرة. ولأنهم لم يتمكنوا من فتحها بالطريقة المعتادة، لجأوا إلى الديناميت، وانفجرت الخزنة بالفعل.
لكن المفاجأة كانت في الداخل.
كانت الأموال التي عثروا عليها في معظمها عملات معدنية، وبعضها تضرر بسبب الانفجار، بينما كان نقل الكمية المتبقية يحتاج إلى وسيلة نقل لم تكن متوفرة لهم، وبدلًا من أن يخرجوا بثروة، اضطر اللصوص إلى ترك معظم الغنيمة خلفهم، تحولت العملية إلى مادة للسخرية، ولم تستمر عصابة مكوردي طويلًا.
لكنه لم يتخل عن حلمه.
عاد إلى الجريمة مرة أخرى، وفي عملية لاحقة تمكن من السطو على قطار، إلا أن الغنيمة كانت هزيلة بصورة تكاد تكون كوميدية؛ لم يجد الرجل ما يبرر كل ذلك الخطر سوى مبلغ صغير من المال.
وبحلول عام 1911 أصبح مكوردي مطلوبًا من السلطات في أوكلاهوما، ورصدت مكافأة لمن يتمكن من القبض عليه، لكن النهاية التي كانت تنتظره لم تكن القبض عليه، كانت الموت.
في أكتوبر 1911، تمكن رجال القانون من تحديد مكان اختبائه في إحدى المزارع، وحاصروه داخل مبنى، كان المطلوب القبض عليه حيًا، لكن مكوردي رفض الاستسلام، بدأ إطلاق النار، وفي النهاية أصيب مكوردي برصاصة قاتلة وسقط ميتًا.
كان من المفترض أن تنتهي الحكاية هنا.
لص مطلوب يقتل في مواجهة مع رجال القانون، ثم يدفن وينساه الناس، لكن مكوردي لم يكن يعرف أن الجزء الأكثر غرابة من حياته سيبدأ بعد موتهن نُقلت جثته إلى إحدى دور الجنائز في مدينة Pawhuska، ولم يتقدم أحد من أقاربه للمطالبة بها.
وكانت هناك مشكلة أخرى، لم يكن هناك من يريد تحمل تكاليف دفنه، فقرر صاحب دار الجنائز تحنيط الجثة والاحتفاظ بها، ثم بدأ يعرضها على الجمهور مقابل مبلغ مالي صغير، وهكذا تحول اللص الميت إلى مصدر للدخل.
كان الزائرون يدفعون خمسة سنتات لرؤية جثة مكوردي، وفي بعض الروايات كانوا يضعون العملة في فمه قبل مغادرة المكان، وأصبح الرجل الذي لم يحقق ثروة حقيقية من سرقاته يدر المال على الآخرين وهو ميت، ثم جاءت واحدة من أكثر حلقات القصة غرابة.
ظهر شخص ادعى أنه شقيق مكوردي، وقال إنه جاء لاستلام جثة أخيه ودفنها، لكن الرجل لم يكن شقيقه، كان مدير سيرك يبحث عن وسيلة جديدة لجذب الجمهور، وبمجرد أن حصل على الجثة، بدأت رحلة مكوردي الطويلة بين العروض والكرنفالات.

من سيرك إلى آخر، ومن معرض إلى آخر، ظلت جثة الرجل تعرض أمام الجمهور بوصفها جثة أحد أشهر الخارجين على القانون، ومع مرور السنوات، بدأ الناس ينسون حقيقة أساسية: هذه ليست دمية، إنها جثة إنسان.
دخل مكوردي عالم عروض الرعب، وظهر في أماكن مختلفة، واستخدمت جثته كجزء من العروض التي تعتمد على إثارة الخوف والغرابة، ومع مرور عقود، تعرض جسده للإهمال والتحنيط المتكرر والطلاء، وفقدت الجثة بعض أجزاء الجسم، وفي النهاية أصبح شكله أقرب إلى دمية قديمة منه إلى جثة بشرية، ولهذا لم يشك أحد تقريبًا في حقيقته، حتى عام 1976.
في ذلك الوقت كان فريق إنتاج مسلسل «The Six Million Dollar Man» يصور إحدى حلقاته في مدينة لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا، بالقرب من مدينة ملاهٍ كان مكوردي معروضًا فيها، كان الرجل المعلق أمامهم يبدو مجرد دمية تستخدم في أحد مشاهد الرعب.
اقترب أحد أفراد طاقم التصوير لتحريكها، وفجأة انفصل أحد ذراعيها، لكن الذي ظهر من الداخل لم يكن خشبًا ولا شمعًا ولا معدنًا، كانت هناك عظام بشرية.
هنا بدأت الصدمة.
استُدعيت الشرطة، ونُقلت الجثة إلى مكتب الطبيب الشرعي في مقاطعة لوس أنجلوس، وبدأ التحقيق في هوية الرجل الذي ظل مجهولًا لعقود، وكشفت الفحوص أن الجثة لرجل قتل بطلق ناري، وأنها كانت قد خضعت لعملية تحنيط قديمة باستخدام مواد حافظة من بينها الزرنيخ.
لكن السؤال الأصعب كان:
من هو؟
احتاج المحققون إلى أدلة تاريخية وعمليات فحص ومقارنة للوصول إلى الإجابة.
وفي النهاية تأكدت هوية الجثة، كان الرجل هو ألمر مكوردي..اللص الذي قتل عام 1911، الرجل الذي ظن الجميع أن قصته انتهت منذ أكثر من ستة عقود.
كان قد قضى بعد موته سنوات طويلة معروضًا أمام الناس، وانتقل من مكان إلى آخر، وتحول من جثة إلى «دمية»، ثم إلى جزء من عروض الرعب، قبل أن يكتشف أحدهم الحقيقة بالمصادفة.
والأغرب أن فحص الجثة كشف بقايا أشياء ظلت مرتبطة بتاريخها الطويل في عالم العروض، ومن بينها عملة وتذكرة مرتبطة بأحد المتاحف التي عُرضت فيها.

وبعد التأكد من هويته، بدأت السلطات في البحث عن مكان يليق أخيرًا بالرجل الذي ظل بلا قبر طوال كل تلك السنوات.
في 22 أبريل 1977، أعيدت جثة مكوردي إلى أوكلاهوما، ودُفن في مقبرة Summit View بمدينة Guthrie، في القسم المعروف باسم Boot Hill، بالقرب من الخارج عن القانون الآخر بيل دولين، وحضر جنازته نحو 300 شخص.
وبذلك انتهت رحلة الرجل الذي مات عام 1911، لكنه ظل يعمل بعد موته أكثر مما عمل في حياته، ولضمان ألا تتحول جثته مرة أخرى إلى وسيلة للعرض أو الربح، غُطيت المقبرة بطبقة سميكة من الخرسانة، كان ذلك أشبه بالنهاية التي لم يحصل عليها مكوردي طوال حياته.
فقد قضى أكثر من ستة عقود بعد موته يتنقل بين أيدي أصحاب السيرك وأصحاب المتاحف ومدن الملاهي، أما اليوم، فما بقي منه هو قبر في أوكلاهوما وقصة واحدة من أغرب القصص التي يمكن أن تبدأ بموت إنسان وتنتهي باكتشاف جثته بعد أكثر من ستين عامًا.
مكوردي لم يكن أشهر لص في الغرب الأمريكي، ولم تكن سرقاته من النوع الذي يصنع الأساطير، لكن المفارقة أن الرجل الذي فشل في صناعة مجده وهو حي، صنع واحدة من أغرب الأساطير بعد موته، ولهذا ربما يكون عنوان حكايته الحقيقي ليس «اللص الذي لن يقبض عليه حيًا أبدًا» فقط، بل: الرجل الذي لم تنته حياته عندما مات.
أقرا أيضا:
هذا هو عملها الحالي.. قصة اعتزال ميريت أسامة بطلة الرجل العناب

