
أنهت الإعلامية ميسون عزام ارتباطها مع قناة العربية بعد مسيرة ممتدة في التقديم الإخباري، قدّمت خلالها نشرات وبرامج ضمن سياق مهني قائم على الانضباط والهدوء.
ورغم هذا الامتداد، يظل في ذاكرة المشاهد العربي مشهد واحد يتكرر كلما ذُكر اسمها؛ ضحكة على الهواء داخل الاستديو، خرجت عن نسق النشرة، وتحولت لاحقًا إلى «ميمز» متداول، أعاد إنتاجها في سياقات مختلفة.
هذه اللقطة، على بساطتها، تجاوزت كونها موقفًا عابرًا، لتصبح المرجع الأكثر حضورًا في استدعاء تجربتها، في مفارقة تختصر سنوات من العمل في لحظة واحدة بقيت.
مسيرة مهنية منضبطة
منذ ظهورها على شاشة “العربية”، رسخت ميسون عزام صورة المذيعة التي تنتمي إلى مدرسة الخبر أولًا؛ حضور هادئ، لغة دقيقة، وابتعاد واضح عن الاستعراض أو صناعة النجومية الشخصية. وقد واكبت خلال مسيرتها ملفات سياسية معقدة، وتغطيات لسنوات من الحروب والتحولات الإقليمية، وارتبطت صورتها لدى المشاهد بالاتزان المهني والقدرة على نقل الأخبار الثقيلة بنبرة لا تنفعل.
ولم تكن من الوجوه التي تعتمد على الحضور الصاخب، بل كانت أقرب إلى نموذج المذيع الكلاسيكي الذي يختفي خلف الخبر، تاركًا للمضمون أن يتقدم على الأداء.
الضحكة التي كسرت البروتوكول
غير أن ما منح اسم ميسون عزام حضورًا مختلفًا خارج السياق الإخباري كان تلك الواقعة الشهيرة التي بدت، وقت وقوعها، مجرد لحظة بشرية عابرة داخل استوديو الأخبار.
في أثناء تقديم إحدى النشرات، لم تستطع المذيعة إخفاء نوبة ضحك باغتتها على الهواء، لتتحول المحاولة المتكررة لاستعادة الجدية إلى مشهد نادر في تاريخ نشرات الأخبار العربية، حيث كسر الضحك صرامة الاستوديو، وأسقط ـ ولو لدقائق ـ المسافة التقليدية بين المذيع والمتلقي.
لم يكن الأمر مجرد “خطأ على الهواء”، بل بدا للجمهور لحظة كاشفة عن إنسان خلف المذيعة، ولهذا تجاوزت اللقطة سياقها اللحظي، وانتقلت إلى فضاء أوسع؛ أعيد تداولها على نطاق واسع، وتحولت إلى مادة للميمز، وإلى مرجع يستعاد كلما ذُكر اسمها.
وربما تكمن المفارقة هنا في أن سنوات من العمل الصارم اختُزلت ـ في الذاكرة الشعبية ـ في ضحكة واحدة.
لكن هذه ليست خسارة لسيرتها، بل إضافة إليها.
فاللقطة، رغم طابعها الطريف، لم تنتقص من صورتها المهنية، بل منحتها بعدًا إنسانيًا نادرًا في الإعلام الإخباري، الذي غالبًا ما يفرض على مذيعيه أقنعة من الصلابة لا تسمح بظهور العفوية.
لماذا بقيت هذه اللحظة؟
لأنها كانت ضد المتوقع، الجمهور اعتاد من نشرات الأخبار الرسمية نبرة ثابتة، وإيقاعًا جادًا لا يتغير. وحين ينكسر هذا النسق فجأة، يولد ما يشبه الصدمة اللطيفة.
ضحكة ميسون لم تكن مصطنعة، ولم تكن استعراضًا، ولهذا بدت صادقة، بل إن بعض متابعيها رأوا أن هذه اللحظة صنعت قربًا بينها وبين الناس أكثر مما صنعت عشرات المقابلات والتغطيات.
في الإعلام، كثيرًا ما تُخلّد الهفوات أكثر من الإنجازات، لكن في حالة ميسون عزام، تحولت “الهفوة” إلى جزء من إرثها، لا حادثة خارجة عنه.
بين المهنية والإنسان
على امتداد تجربتها، كانت ميسون عزام تمثل صورة المذيعة القادرة على التوازن بين المهنية والانفعال الإنساني المحكوم.
ولعل هذا ما يفسر بقاء تلك اللقطة حيّة في الذاكرة؛ لأنها لم تكن تناقض شخصيتها، بل كشفت جانبًا آخر منها.
مذيعة الأخبار التي تنقل يوميًا أخبار الحروب والمآسي، ظهرت للحظة تضحك كأي إنسان، وهذا، paradoxically، زادها وقارًا لا العكس.

ما بعد “العربية”
رحيلها عن “العربية” يفتح باب التكهنات حول وجهتها المقبلة، لكن المؤكد أن اسم ميسون عزام تجاوز منذ سنوات حدود المؤسسة التي عملت فيها.
فبعض الإعلاميين يرتبطون بالشاشة التي يظهرون عليها، وبعضهم تصبح الشاشة محطة في سيرتهم، ويبدو أن ميسون من الفئة الثانية.
ضحكة بقيت أكثر من الخبر
قد تغادر المذيعة الاستوديو، لكن يبقى ما تركته خلفها. وفي حالة ميسون عزام، سيبقى كثيرون يتذكرون نشراتها الهادئة، ومواقفها المهنية، لكنهم ـ على الأرجح ـ سيتذكرون قبل ذلك تلك الضحكة.
الضحكة أربكت النشرة… وخلّدت صاحبتها.






