
كانت مونيكا سيليش تصول في الملعب،من نشوة الانتصار، صوتها يملأ الأفق، ومضربها يلمع تحت شمس المجد، كأنها تولد مع كل ضربة من جديد.
المدرجات تهتف باسمها، والعالم يصفق لفتاة يوغسلافية صغيرة، جاءت من بعيد لتكتب اسمها على صفحات الخلود، لكن في لحظة واحدة، وفي منتصف هذا المجد، انقلب كل شيء… يد غادرة خرجت من بين الجماهير، وسكين بارد اخترق ظهر الحلم.
صرخة واحدة كانت كفيلة بإسكات كل الأصوات، إنها صرخة مونيكا سيليش بعدما تعرضت لطعنة غادرة في الملعب، لتنظر لطاعنها بحسرة وفي ملامحها ألف سؤال عن السبب، لكن لا تأتيها أي إجابة، بل ألم الطعنة.

ولدت مونيكا سيليش في الثاني من ديسمبر عام 1973 في مدينة نوفي ساد اليوغسلافية، ومنذ أن أمسكت بمضربها الأول، بدت وكأنها تعرف الطريق إلى القمة، في الثالثة عشرة من عمرها، حملت حلمها وهاجرت إلى الولايات المتحدة، وهناك بدأت الأسطورة تتشكل.
وفي الخامسة عشرة فقط، هزمت الأمريكية الأسطورية كريس إيفرت، لتعلن ميلاد نجمة لم تعرف الخوف، عامها الأول في الاحتراف انتهى وهي المصنفة السادسة عالمياً، لكن الكل كان يعرف أن الفتاة الصغيرة ستصعد إلى القمة قريبًا، الأمر مسألة وقت ليس إلا,
وفي عامها السابع عشر، وقفت أمام الأسطورة الألمانية شتيفي جراف في نهائي رولان جاروس، كانت شجاعة، جريئة، عنيدة، ضرباتها مثل الرعد، وحركتها كالعاصفة، انتصرت مونيكا، لتصبح أصغر لاعبة تفوز ببطولة فرنسا المفتوحة، وتبدأ زمنها الخاص في عالم التنس، عامان فقط كانا كافيين لتعتلي صدارة التصنيف العالمي، ولتُصبح رقمًا صعبًا لا يُهزم، ستة ألقاب كبرى متتالية، و91 أسبوعًا في القمة دون منازع، لكن فوزها على شتيفي جراف كان بداية اللعنة.
كانت سيليش تمشي بثقة بين الكبار، كأنها خلقت من أجل هذه اللحظة فقط، ولم تكن تعلم ما يخبئه القدر لها.
لكن لأن المجد لا يدوم طويلًا لمن يسطع أكثر من اللازم… في ربيع عام 1993، وبينما كانت تخوض مباراة عادية في بطولة هامبورج، اقترب منها أحد المتفرجين في لحظة استراحة، وغرَس خنجرًا في ظهرها أمام أنظار العالم.
سقطت مونيكا على الأرض، وجمد الزمن، السكين لم تخترق جسدها فقط، بل اخترقت روح اللعبة نفسها.
الجرح كان قريبًا من الرئتين، والموت كان على بعد سنتيمترات.
نجت مونيكا بأعجوبة، لكن شيئًا ما مات بداخلها منذ تلك اللحظة.
لكن ما السبب؟

المجرم، اسمه جونتر بارش، اعترف أنه طعنها لأنه كان من عشاق شتيفي غراف التي تغلبت عليها مونيكا، وسرقت منها نجوميتها. قال إنه لم يُرد قتلها، بل أراد فقط أن يُبعدها عن طريق نجمته الألمانية المفضلة، لكن المحكمة رأت في جريمته “فعلاً بلا نية قتل”، وحكمت عليه بعامين فقط، خرج بعدها بعد ستة أشهر بحجة “اضطرابات نفسية”.

زارت جراف سيليش في المستشفى بعد الحادثة، مما يدل على دعمها لها، كمان كان الحادث مؤلمًا لجراف، حيث جعل إنجازاتها تبدو وكأنها مدعومة من قبل حادث عنيف، مما أثر على مسيرتها الرياضية في عام 1993.
القاتل حر والضحية خائفة
خرج القاتل حرًا… بينما بقيت سيليش سجينة خوفها، تهرب من الأضواء، وتعاني من كوابيس لا تنتهي، وبعد عامين من الصمت والعلاج والغياب، حاولت مونيكا العودة إلى الحياة.
عادت مونيكا إلى الملاعب، إلى الأضواء، إلى حيث سقطت أول مرة، فازت من جديد، ورفعت الكؤوس، لكن شيئًا كان مكسورًا في الداخل.
لم تعد تلك الفتاة التي تلعب من أجل المتعة، بل امرأة تحاول أن تثبت لنفسها أنها ما زالت قادرة على الوقوف.
حققت بطولات، ووقفت على المنصات، لكنها كانت تعرف في أعماقها أن جزءًا منها بقي هناك، في هامبورج، لم يلتئم.
وبعد سنوات من المحاولات، اعترفت أخيرًا أنها فقدت شغفها.
قالت في إحدى المقابلات:
“كلما أمسكت بالمضرب، شعرت بأن أحدًا يراقبني من الخلف… لم أعد أستطيع أن أكون مونيكا القديمة.”
في عام 2003 كانت آخر مباراة رسمية لها في رولان جاروس، وفي 2008 أعلنت اعتزالها رسميًا، مطفئةً شمعة مسيرة كانت تستحق أن تبقى مضيئة لعقود.
أقرا أيضا





