
في مسلسل “قلب ميت”، يلعب الفنان شريف منير، دور الابن الأكبر لأسرته، ويطلب شقيقه الأصغر من والده السماح له بالذهاب لرحلة مدرسية، لكن الأب يرفض خوفا على الابن، وقتها يقرر شريف منير أن يعطي لشقيقه المال ليذهب للرحلة، يذهب الولد للرحلة، ويغرق، ويظل الاب يوبخ في ابنه الكبير قائلا: “هاتلي حق ابني.. انت اللي موته”…

هذه القصة باختلاف تفاصيلها، حدثت مع نجم الكرة المصرية محمود الخطيب، في موقف ظل طيلة حياته لم ينساه.
ولد الكابتن محمود الخطيب لاعب الأهلي السابق ورئيسه الحالي، لأسرة متوسط الحال، في مركز أجا بمحافظة الدقهلية قبأن ينتقل إلى محافظة القاهرة، في حي الحلمية، الذي عاش به الخطيب سنوات الطفولة ومنه انتقل لمنطقة عين شمس وكانت أسرته تتكون من من 14 شخصا، بينهم 12 أخا واختا كان يحمل محمود من بينهم رقم 10، الرقم الذي ارتداه الطفل محمود طيلة مسيرته الكروية.
كان الـ 12 أخا وأختا، هم 8 بنات ماتت إحداهن في سن صغير، أربعة أولاد، كلهم من اب واحد شديد الشبه بابنه محمود هو إبراهيم الخطيب، وأم واحدة، هي بطلة قصة اليوم.
كانت الظروف الاقتصادية سببا في تفكير الثنائي في التخلص من الطفل محمود فو علمهم بتكونه جنينا في بطن والدته خاصة أنه جاء بدون تخطيط، فكر الأب بنصيحة من وصفي باشا، أن يذهب مع زوجته إلى الطبيب لتنظيم الإنجاب “إجهاض الطفل” بسبب ظروف المعيشة الصعبة، لكن الطبيب رفض، وقرأ لإبراهيم الخطيب، قول الله عز وجل: “”وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً”، ورفض الاجهاض، وجاء الطفل محمود وأسماه والده محمود وهو اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.

جاء الطفل محمود في 30 أكتوبر من عام 1954، وكان طفلا هادئا نادر البكاء، قليل الكلام، كان يحب أن يداعب “غطيان الكازوزة” في الشارع، الأمر الذي كان يتسبب في إفساد أحذيته،
التحق الخطيب، بمدرسة محمود خاطر عام 1961، وكان ناظرها محمود صقر يحب الكرة، وكون فرقة بالمدرسة، تخلف كابتن الفرقة عن الحضور، ليطلب الناظر من الخطيب المشاركة، وتفوز المدرسة بكأس منطقة مصر الجديدة، لتبدأ موهبة الطفل محمود الذي شهد عليها كل من شاهده يداعب الكرة.
إصابات بالجملة
لو كان هناك شيء يميز مسيرة محمود الخطيب كلاعب بجانب كونه لاعبا فذا، هي أنه كثير الإصابات، منذ بداية ممارسة كرة القدم، فمحمود الخطيب الذي امتاز بقدرته على مراوغة الجميع، كان في زيارة لقريته، وشارك في مباراة بين قريته والقرى المجاورة، ومن شدة مهاراته وقلة حيلة الأطفال أمامه، قام أحدهم بتدخل قوي جدا على قدمه، تسبب في إصابة بالغة من الركبة حتى القدم، ظل في جبس كامل لفترة طويلة.

وبعد شفائه ذهب للعب كرة القدم مع شقيقه الأكبر “وحيد” فوق سطح المنزل، ليلحق “سيخ حديد” بقدمه الأذى مرة آخرى، وكان الأب على قناعة أن كرة القدم ستكون سببا للبلاء في حياة ابنه، ولا يعلم أنها ستكون سببا لمجده، ومحبة الملايين له، يتغنون باسمه “بيبو بيبو.. الله يا خطيب”.
لنترك مسيرة الخطيب الكروية، ونذهب لوالدته.
كان محمود الحطيب متعلقا بوالدته، حيث كانت تصر على الإشراف على طعامه رغم مرضها الشديد ورغم وجود 6 أخوة بنات يكبرن الخطيب، لكنها كانت تصمم على خدمة ابنها محمود، في الوقت الذي كانت فيه تعاني من مشكلة كبيرة في الكلي حيث كانت تعاني من مشكلة كبيرة في الكلي يجعلها تعض على “منديل” لكي تكتم الألم الذي لا يفارقها.
ذهب الفتي محمود الخطيب للدكتور ابراهيم الوكيل طبيب الأهلي وأطلعه على الحالة، فقال له الطبب سنعرضها على أكبر أخصائي أمراض كلي، وهو ما كان بالفعل، وطلب الطبيب التدخل الجراحي.
هنا رفض الأب رفضا قاطعا قائلا:
– بلاش يا محمود يا بني.. امك عملت عملية سنة 62… والدكتور قال لو تعبت تعاني متعمولوش عمليات تاني لأنها هتموت…ولو عملت عملية تاني هتموت.

ذهب الخطيب للطبيب وأخبره بما قاله والده، لكن الطبيب طمأنه أن الطب تقدم جدا، وقد مر 12 عام على العملية الأولى، وعليه أن يثق في قدرة الله عز وجل.
وافق الخطيب وأقنع والده حتى يتوقف عذاب والدته التي لا تتوقف عن الألم ثانية واحدة.
يوم العملية
دخلت الأم وعملت العملية، وذهب إليها الخطيب، وكان وجهها منيرا، يقول: “كان وشها جميل ومرتاح، وقعدت معاها لحد الساعة 12 الضهر، وروحت التمرين”.
ذهب الخطيب للتمرين، ولم يكن يعلم أن المرة التي رأي الخطيب فيها والدته هي المرة الأخيرة التي سيراها فيها.
في التدريب كان الخطيب يعيش أسعد لحظاته، فكلها ساعات وتعود أمه للبيت بدون ألم، بدون ، تتلوى من شدة المرض، لكن في وسط التمرين، جاء الكابتن عبده صالح الوحش، وطلب الخطيب، وأخبره أن والدته رحلت..
ذهب الخطيب للمستشفى، وقابل والده، الذي بكي في حضن ابنه، وقال له:
– قلتلك بلاش يا محمود يا بني.. قلتلك امك هتموت..
في المنزل، دخل الخطيب، وكشف عن وجه والدته وقبلها، وظل يبكي، ولا يسمع من كل الكلام سوى جملة: “قلتلك بلاش يا محمود يا بني”
دخل الخطيب في حالة اكتئاب، ورفض أن ينام في بيته، لأنه لم يكن يستطع دخوله بدونها، وظل يومين عند صديق له، وكان الأهلي سيلعب مباراة مهمة أمام الترسانة، ستحدد بشكل كبير بطل الدوري، رفض الخطيب لعب المباراة..
لكن والده ذهب إليه، وقال له: “بص يا محمود.. أنا عايزك تلعب.. الجمهور ليه حق عليك.. والنادي ليه حق عليك.. وانت لو لعبت هتخرجنا من أحزانا، والحزن في القلب ولازم الخياة تستمر”.
لعب الكابتن الخطيب المباراة، أمام 60 الف متفرج، لم يكن يعرف ما يفعل في الملعب، كان يعيش في عالمه الخاص، وجملة والدته “قلتلك هتموت يا محمود” ترن في آذنه، وقتها سمع الجمهور يعزي الخطيب، فبدل من جملة بيبو بيبو الله يا خطيب بقوة وحماسة.. كانوا جميعا يهمسون “بيبو بيبو بيبو”.. الأمر الذي فسره الخطيب برسالة تعزية من 60 ألف متفرج.. انتهت المباراة بالتعادل السلبي، ولا يعرف الخطيب حتى وقتنا هذا، ما قدمه في المباراة، لكن النتيجة قربت الأهلي من البطولة.
لا يا بيبو لا… لا ملكش حق
يتذكر الخطيب دوما بالدموع لحظة اعتزاله، عندما ظل عاجزا عن الكلام، أمام هتافات الآلاف من جماهير الأهلي “لا يا بيبو .. لأ .. لأ ملكش حق”.. لكنه يتذكر أيضا أن الجمهور لم يتخل عنه ولو لحظة واجدة
لحظة اعتزال كابتن محمود الخطئب
ربما تختلف مع محمود الخطيب الإداري، ربما تري أن لديه أخطاء لا تعجبك، ربما لا تحب أسلوب إدارته، لكن حتما ستعجب ببيبو اللاعب الفذ، اللاعب الذي كان يراوض الكرة ويجعل رؤيتها بين أقدامه متعة تسر الناظرين..






