
عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات خلال العرض العسكري في السادس من أكتوبر عام 1981، اتجهت الأنظار إلى نائبه محمد حسني مبارك، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي. وفي أعقاب الحادث، رشح الحزب الوطني مبارك لتولي رئاسة الجمهورية، تمهيدًا لطرح اسمه في استفتاء شعبي وفقًا للإجراءات الدستورية المعمول بها آنذاك.
وفي 14 أكتوبر 1981، تولى حسني مبارك رئاسة الجمهورية رسميًا بعد موافقة أغلبية الناخبين في الاستفتاء الشعبي، حيث حصل على نحو 98.5% من الأصوات. وقد بلغ عدد المؤيدين لترشحه قرابة تسعة ملايين ناخب، مقابل نحو 150 ألفًا صوتوا بالرفض.

وفي أولى تصريحاته بعد توليه السلطة، أطلق مبارك عبارته الشهيرة: «الكفن ليس له جيوب»، في إشارة إلى أن السلطة والثروة لا تدومان للإنسان، كما أكد حينها أنه لا يسعى إلى البقاء طويلًا في الحكم، وأن دورة رئاسية واحدة قد تكون كافية. لكن السنوات اللاحقة حملت مسارًا مختلفًا تمامًا عما كان متوقعًا.

غير أن السؤال الأهم ظل قائمًا منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى السلطة: كيف سيتعامل رئيس جديد شاهد بعينيه اغتيال سلفه أثناء وجوده إلى جواره على المنصة؟ وكيف ستؤثر تلك التجربة على رؤيته للأمن والسياسة وإدارة الدولة؟ للإجابة عن ذلك، نستعرض أبرز محاولات الاغتيال التي تعرض لها الرئيس حسني مبارك خلال سنوات حكمه، وفي مقدمتها حادث أديس أبابا عام 1995، الذي شكل نقطة تحول فارقة ليس فقط في حياته السياسية، بل في طبيعة العلاقات المصرية الأفريقية لسنوات طويلة تالية.
لكننا سنفرد المقال لمحاولة اغتيال مبارك في محافظة بورسعيد

كانت محاولة الاعتداء التي شهدتها مدينة بورسعيد عام 1999 واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ تأمين الرئيس حسني مبارك.
ففي سبتمبر 1999، كان الرئيس مبارك يقوم بجولة تفقدية للمشروعات الاقتصادية بمنطقة شرق التفريعة في بورسعيد. وخلال مروره في شارع 23 يوليو داخل سيارة رئاسية مصفحة، فُتحت نوافذ السيارة لتحية المواطنين المحتشدين على جانبي الطريق.
وأثناء مرور الموكب، تمكن أحد الأشخاص ويدعى حسن محمود سليمان، الشهير إعلاميًا باسم “أبو العربي”، من اختراق الحاجز الأمني والوصول إلى محيط السيارة الرئاسية. ووفقًا للرواية الرسمية، كان يحمل سلاحًا أبيض، وتمكن من إصابة قائد الحراسة المرافقة للرئيس اللواء حامد شعراوي، الذي فقد أحد أصابعه أثناء التصدي له، كما أُصيب الرئيس مبارك بجرح سطحي خلال الواقعة.
وكشفت التحقيقات لاحقًا أن حسن محمود سليمان كان يعاني من اضطرابات نفسية حادة عقب عودته من منطقة الخليج، حيث سبق له العمل ضمن الخدمات الطبية أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ثم عاد إلى بورسعيد وهو يعاني مشكلات نفسية متفاقمة.
بورسعيد تحت التأمين
أعقبت الحادثة سلسلة من الإجراءات الأمنية والإدارية المشددة، شملت إقالة عدد من المسؤولين الأمنيين. فقد أُقيل اللواء محمد العزبي، رئيس جهاز مباحث أمن الدولة، وعُين اللواء صلاح الدين مصطفى خلفًا له، كما تمت إحالة مدير أمن بورسعيد اللواء حسن عبد المطلب عثمان للتحقيق وإنهاء خدمته. وسُجلت القضية تحت رقم 1109 لسنة 1999 حصر أمن دولة عليا.
وتمثل هذه الواقعة خصوصية لافتة في سجل محاولات استهداف الرئيس مبارك، إذ كانت المرة الأولى التي تنسب فيها السلطات محاولة الاعتداء إلى فرد منفرد، وليس إلى تنظيم أو جماعة متطرفة، كما حدث في حادث أديس أبابا.
الرواية الآخرى
ورغم الرواية الرسمية، ظهرت روايات أخرى في وسائل الإعلام المحلية والدولية. فقد ذكرت بعض التقارير أن الرجل لم يكن يحمل سلاحًا، وإنما كان يحاول تسليم الرئيس شكوى أو التماسًا شخصيًا، وأن تدخل قوات الحراسة أدى إلى وقوع الحادث. غير أن السلطات تمسكت بروايتها، مؤكدة أن المعتدي كان يحمل سلاحًا أبيض وأصاب بالفعل قائد الحراسة والرئيس.
وروى اللواء رأفت الهجيري، أحد أفراد الحراسة الشخصية للرئيس مبارك، تفاصيل الواقعة لاحقًا، مؤكدًا أن التعليمات الأمنية كانت تقضي بإبقاء نوافذ السيارة مغلقة، إلا أن الرئيس أصر على فتحها لتحية المواطنين. وأضاف أن المعتدي ظهر فجأة حاملًا مادة حارقة وسلاحًا أبيض، فبادر اللواء حامد شعراوي بحماية الرئيس وتلقى الضربات بدلًا منه، ما أدى إلى إصابته البالغة وفقدانه أحد أصابعه. وبعد تدخل قوة التأمين تم إطلاق النار على المعتدي والسيطرة عليه، ثم نُقل الرئيس إلى مكتب المحافظ حيث تلقى الإسعافات اللازمة، قبل أن يستكمل برنامج الزيارة ويلقي كلمته لطمأنة المواطنين.
الدستور تستشهد بجندي أمن مركزي
وفي المقابل، نشرت صحيفة “الدستور” عام 2007 شهادات لعدد من جنود الأمن المركزي الذين كانوا موجودين بمسرح الحادث، أكدوا فيها أن حسن محمود سليمان لم يكن يحمل سلاحًا أبيض، وأنه تعثر في الحبل الفاصل بين الجماهير والطريق الرئاسي وسقط بالقرب من السيارة، قبل أن تتعامل معه قوات التأمين بإطلاق النار. وتبنت هذه الرواية قطاعات من أهالي بورسعيد، لتبقى الواقعة محل جدل مستمر بين الرواية الرسمية والروايات البديلة.
ويرى عدد من أبناء بورسعيد أن المدينة دفعت ثمن تلك الحادثة سياسيًا واقتصاديًا خلال السنوات التالية. فقد صدرت قرارات اقتصادية عدة أثرت على نظام المنطقة الحرة والتجارة المحلية، من بينها فرض رسوم جمركية جديدة على بعض السلع، وتقليص الحصص الاستيرادية، وصولًا إلى إنهاء نظام المدينة الحرة تدريجيًا، أو كما قال معاطي في فيلم أبو العربي: “الحرة مبقتش حرة”.
كما انقطع الرئيس مبارك عن زيارة بورسعيد قرابة عشر سنوات كاملة، قبل أن يعود إليها في ديسمبر 2009. وأثناء تلك الزيارة، لفتت أعمال التطوير والتجميل التي سبقت الزيارة الأنظار، ما دفع النائب البرلماني البدري فرغلي إلى التعليق ساخرًا بأن المدينة أصبحت أشبه بباريس، متسائلًا عما إذا كانت مشكلات بورسعيد الحقيقية تُنقل إلى الرئيس أم تُخفى خلف مشاهد التجميل المؤقتة.
أهالي أبو العربي يطالبون بالقصاص
وبعد ثورة يناير 2011، أعيد فتح الملف من جديد، عندما تقدم المحامي أحمد قزامل، نقيب المحامين ببورسعيد آنذاك، ببلاغ إلى النائب العام يتهم فيه الرئيس الأسبق حسني مبارك ونجله جمال ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي وصفوت الشريف بالمسؤولية عن مقتل حسن محمود سليمان.
واستند البلاغ إلى شهادات بعض الجنود الموجودين في موقع الحادث، الذين أكدوا أن الرجل لم يكن يحمل سلاحًا أبيض، وأن رواية محاولة الاغتيال جرى تضخيمها إعلاميًا. كما استند مقدمو البلاغ إلى أقوال بعض المسؤولين الأمنيين السابقين الذين شككوا في بعض التفاصيل المتداولة حول الحادث.
ورغم الجدل الذي استمر سنوات طويلة، بقيت واقعة بورسعيد عام 1999 واحدة من أكثر الحوادث غموضًا وإثارة للجدل في تاريخ الرئاسة المصرية الحديثة، بين رواية رسمية تؤكد وقوع محاولة اغتيال حقيقية، وروايات أخرى ترى أن الحقيقة الكاملة ربما لم تُكشف بعد.

