
شغلت قضية أحمد حلمي المسيري الرأي العام المصري سنة 1991 بعدما قتل مليونير وزوجته والخادمة وأطلق النار علي حارس العقار وسيدة من الجيران وبعض المصلين، لتطلق عليه الصحافة سفاح المهندسين، وهي القصة التي قدمها هاني سلامة في فيلم سينمائي، باختلافات كثيرة للهروب من المسائلة القانونية.

عثر الأهالي علي جثة المليونير حامد مندور يوم 7 أبريل 1991 مقتولًا في سيارته بأحد المناطق النائية في العجوزة، ليبلغوا الشرطة، وبتفتيش السيارة عثروا على هوية القتيل، فذهبوا لمنزله، فعثروا على جثة زوجته وخادمته مقتولتان بشقة في المهندسين، لتبدأ الشرطة لغز من أصعب الألغاز التي واجهتها.
تم تشكيل فريق بحث جنائي لمعرفة ظروف وملابسات الجريمة، بدأت بسؤال حارس العقار وبعض الجيران الذين أطلق السفاح عليهم النار دون إصابا، وأدلى الجيران بأوصاف القاتل: “شاب أبيض طويل ونحيل وأنفه طويلة”، كانت الأنف هي بداية الخيط الذي قاد الشرطة للوصول للمجرم، في قضية ظن إنه استطاع الهروب من عواقبها.

تم البحث في لائحة المسجلين ممن لهم علاقة بالقتيل، ثم توصلوا إلى المهندس رأفت وشقيقه أنيس، حيث كانت تربطهما علاقة مع المليونير حامد مندور، حيث عملا في مصانعه، واستغلا حاوياته في تهرب مخدرات، لكن حامد مندور أبلغ الشرطة عنهما، فتم الحكم عليهما بالسجن 7 سنوات، وأفادا في استجوابهما أنهما لا يعلمان شيئًا.
لكن بالضغط عليهما، اعترفا أنهما حكيا عن المليونير حامد لمجرم قابلاه في السجن هو أحمد حلمي المسيري..
حاول السفاح أن يقوم بعملية كبيرة يؤمن بها مستقبله ومستقبل زوجته وبعدها يقلع عن حياة الإجرام، حاول السفاح سرقة شقة المليونير عن طريق كسر الباب ولكنه فشل، وبعلم المليونير ذلك أبلغ الشرطة، وفي اليوم الثاني ارتدى السفاح ملابس رجل شرطة وقابل المليونير أمام منزله وطلبه إلى قسم الشرطة لسؤاله حول بلاغه بسرقة شقته، ركب المليونير مع السفاح في السيارة وفي الطريق في منطقة نائية أطلق عليه النار من مسدس به كاتم صوت وبعدها نزل من السيارة واستخدم طفاية حريق السيارة في إخفاء بصمات يده.

بعدها ذهب السفاح إلى الشقة وضرب جرس الباب، فتحت الخادمة وعندما دخل أطلق الرصاص على الخادمة وزوجة المليونير فقتلهما وسرق الشقة وهرب، لكن أثناء هروبه رأته سيدة من الجيران فأطلق عليها النار أصابها ولم تمت، ثم أطلق النار في الهواء لإرهاب حارس العقار وبعض المصلين الذي تصادف خروجهم من المسجد، ثم فر هاربًا.
ضيقت الشرطة الخناق على أحمد حلمي المسيري، وبالبحث عنه اكتشفوا إنه قام لتوه بعمل عملية تجميل في أنفه، كان المجرم يضع طلقة في مسدسه ومستعدا لإطلاقها على نفسه في حالة قدوم الشرطة للقبض عليه، لكن الشرطة طلبت من البواب أن يطرق الباب في حين اختفى رجال الشرطة بجوار الحائط، وما أن فتح الباب باغتوه بالقبض عليه، وكانت أثار عملية التجميل باقية في وجهه..

سجل السفاح
أول سرقة للسفاح كانت سرقة جار له، وبعد أن انتهى من السرقة ألقى بالمسروقات من البلكونة، فهو لم يكن بحاجة لها، ثم سرق شقة طيار، وفعل نفس الشيء بالمسروقات، ثم سرق شقة الفنانة مها صبري، فتم إيداعه بالأحداث.
وكان توجه الابن للسرقة سببه أن والده رفض التحاقه بالثانوية الجوية تمهيدا لالتحاقه بالكلية الجوية، لكن الأب رفض، فقرر الابن جلب العار لأبيه، ثم باع الأب الموتوسيكل والخيل الخاص بأحمد عقابا على سرقة شقة مها صبري، الأمر الذي جعل أحمد يقرر عمل مصيبة أكبر.

وفي سجل السفاح جريمة غاية في الإثارة والغرابة وهي قصة احتجازه للدكتور أحمد شفيق، وهو عالم مصري نشرت الصحافة انه توصل لعلاج الإيدز، وحكي الدكتو أحمد شفيق القصة في النيابة قائلا: ” ذات يوم فوجئت بشابان يحضران إلى الفيلا ويدعيان أنهم من المباحث وحضرا في موضوع مهم، وما أن دخلا حتى قام بإشهار الأسلحة وقاموا بتقييدي أنا وأسرتي، بعدها طلب الشابان من زوجتي مفتاح الدولاب والخزنة، وقام أحدهما بالتفتيش ورغم أنه كان هناك ذهب وأموال إلا أنه لم يسرق شيئًا، وطلب مني أبحاثي فقلت له الأبحاث في سويسرا، قبل أن ينصرف طلب مني عدم إبلاغ الشرطة لأن ذلك فيه خطر على حياتي وحياة أسرتي وأنهما من منظمة دولية تسعى للحصول على أبحاثه، وفعلًا لم أبلغ الشرطة إلا عندما تعرفت على صور السفاح في الصحف”.

الغريب أن الدكتور قال عن السفاح إنه كان مهذبًا ولم يسرق شيئًا، واعتذر للدكتور قبل المغادرة، وعرفت النيابة أن السفاح قتل شريكه الذي حاول معه سرقة الدكتور أحمد شفيق، لكن بعدها ظهر شريك السفاح وسلم نفسه نافيا رواية السفاح حول قتله.
يقول الأب في حوار بعد القبض على ابنه: “قال لي الطبيب النفسي: “ابنك من المستحيل علاجه، فهو مصاب بنقص في الشخصية، يتسم في انعدام الضمير”، وفي عام 1983، سافر أحمد للعراق بعد خلاف مع والده، وتطوع في الجيش العراقي، وحارب في حرب الخليج الأولى أو حرب العراق مع إيران، لكنه عاد بعد 3 أشهر، وقد تعلم استخدام السلاح.
سبب الزواج من عراقية؟

تزوج أحمد حلمي من السيدة مانوليا عبد الملك، وهي عراقية الجنسية، ويقول الأب عن سبب زواج ابنه من عراقية: “عمته تعيش في العراق، وكانت زوجته جارة لعمته، وقد نزلت عمته للإقامة في القاهرة بعد غزو صدام للكويت، وأتت مانوليا لزيارة العمة، فأعجب بها، وصمم على الزواج منها”.
الزوجة ترفض الطلاق
حسب ما نُشر في الأخبار في 4 مايو 1991، كان اللقاء الأول بين القاتل وزوجته العراقية بعد القبض عليه تم اللقاء في مكتب العقيد جاد جميل، ورغم وجوده في القيود الحديدية الا ان الاثنين تعانقا طويلا وظلا يتحدثان اكثر من ساعة . وطلبت منه الزوجة عدم طلاقها وقالت انها ستبقى بجانبه . ولكنه ظل يقنعها بان قراره بالطلاق لمصلحتها هى وطلب منها ان تتذكر حبه الشديد لها ثم قامت الزوجة بكتابة عنوان سجن طره الذى سيذهب اليه لحين محاكمته حتى تقوم بزيارته هناك.
وعندما احضر صاحب شقة المعادي، متعلقات القاتل وزوجته قام بجردها امام العقيد محمد القاضي والمقدم أمجد عبدالفتاح وعندما شاهد القاتل رأس ذئب محنط كان قد اصطاده في صحراء الخانكة صرخ قائلا : “خلصوني منه لقد كان نحسا»، على منذ احتفظت به ثم طلب من العقيد جاد جميل الاحتفاظ به كهدية رفض الضابط وهو يقول له: “علشان نحس تقدمهولي”!
وحضر السفير محمد وجيه، في مكتب العقيد محمد فوده مع باقي المجنى عليهم الذين سرقهم القاتل ليتعرف معهم على المسروقات التي تم استعادتها من الجواهرجية وعندما اكتشف السفير ان مصوغاته قام الجواهرجي بصهرها وإعادة تصنيعها رفض الحصول على بدل لها وقال انا لا اقبل العوض ..
وقال القاتل، إن العين السحرية في باب شقته كانت السبب في خداعه . فقد اعد نفسه للهروب او الانتحار عند قدوم الشرطة، وعندما طرق الباب نظر من العين السحرية فلم يجد سوى البواب يحمل علبة السجائر التي كان قد طلبها ففتح باطمئنان ولم يكن يعرف ان ضباط المباحث قد خلعوا احذيتهم ووقفوا ملتصقين بالحائط تماما مما جعلهم يشلون حركته تماما.
رواية الأم
تقول الأم السيدة “سميرة أحمد هارون” في حوار للصحفي مصطفى علي محمود في جريدة أكتوبر: “ﺃبوﻩ ﻫﻮ ﺍﻟﺴبب .. ﺭﻭﺡ ﻋﻨﺪﻩ هناك، ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻛﻠﻬﺎ، ﺍﺳﺄﻟﻪ ﻭﺍﺳﺄﻝ ﺁﺧﻮﻩ ﻭﺍﺑﻦ ﻋﻤﺘﻪ، ﻣﻴﻦ ﺍللي ﺷﺠﻌﻪ، وﻣﻴﻦ اللي ﺍحتضنه، وﻣﻴﻦ اللي ﺧﻼﻩ ﻣﻨﺤﺮﻑ، ومين ﺍللي ﻗﺼﺮ في ﺗﺮﺑﻴﺘﻪ، ﺭبنا ينتقم، أﺣﻤﺪ ﺿﺎﻉ.. ﺿﺎﻉ.. ﻭﺃﺑﻮﻩ ﺍﻟﺴﺒﺐ.. ﺣﺴبي الله ﻭﻧﻌﻢ ﺍﻟﻮﻛﻴﻞ”.
وأضافت الأم: “ﻣﺤﻤﻮﺩ ﺣلمي (تقصد والد أحمد) ﻋﻨﺪﻩ ﻋﻘدة ﻧﻔﺴﻴﺔ .. ﻛﺎﻥ ﻗﺎﺳﻰ في ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ ﺃﺣﻤﺪ، ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻌﺬﺑﻪ ﻭﻫﻮ ﺻﻐﻴﺮ، ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻀﺮﺑﻪ ﺑﺎﻟﻜﺮﺑﺎﺝ، وقاللي ﺃﻧﺎ ﺣﺎﺣﺮﻕ ﻗﻠﺒﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﺑﻨﻚ .. ﺍﻧﺎ ﻋﻨﺪﻯ ﺃﻭﻻﺩ ﻛتير ﻭﺃﺣﻔﺎﺩ ﻛﺘﻴﺮ.. ﻟﻜﻦ ﺍﻧﺖِ ﻣﺎﻋﻨﺪﻛﻴﺶ ﻏﻴﺮﻩ، ﺍﺗﺠﻮﺯني ﻭﻋﻨﺪﻯ 19 ﺳﻨﺔ، وﻛﺎﻥ ﻣﺘﺠﻮﺯ ﻗبلي ﻩ ﻣﺮﺍﺕ، وبنته ﺍﻟﻜﻴﻴﺮﺓ ﺃﻛﺒﺮ مني ﺑﺴﺖ ﺷﻬﻮﺭ، وﻛﺎﻥ ﺑﻴﻀﺮبني ﺑﻘﺴﻮﺓ، وﻣﺎﻗﻌﺪﺗﺶ ﻋﻞ ﺫﻣﺘﻪ ﺃﻛﺘﺮ ﻣﻦ ﺳنة، وﻛﻨﺖ بستخبى ﻣﻨﻪ في الدولاب ﻭﺗﺤﺖ ﺍﻟﺴﺮير … ﻭﺍﺳﺄﻝ ﻟﻴﻠﻰ ﻣﺮﺍﺩ ﻭمحمد ﺳﻠﻄﺎﻥ ﻭﻓﺎﻳﺰﺓ أحمد الله يرحمها، كانوا ساكنين معانا في عمارتي في الزمالك في شارع أبو الفدا، ولما اتطلقت منه، ماما قالتلي انتي حامل، مكنتش أعرف، فايزة أحمد حاولت تساعدني علشان اتخلص من الجنين، لكن جه علشان أبوه يعذبني بيه طول عمري، وخده مني وهو عنده 4 سنين، وقالي عايزه يبقى راجل، وأهو بقى”.
وتحكي الأم عن طفولة أحمد وعلاقته بوالده: “كنت جايبة دادة إنجليزية أعلنت إسلامها اسمها سعدية، خدها معاه وكان بيعمل معاها حاجات …. (صمتت الأم)، وأكملت: إنها حقا عائلة محترمة”.
مصير السفاح
تم القبض على السفاح عام 1994، وحكم عليه بالإعدام ونفذ فيه الحكم في العام نفسه، وحضر التحقيق مع السفاح الفنان فاروق الفيشاوي والفنانة فيفي عبده والمخرجة إيناس الدغيدي وقرروا عمل فيلم عن السفاح، لكن الفيلم لم يتم، فقدم هاني سلامة قصته في فيلم حمل اسم السفاح، وحضرت أسرة السفاح من ألمانيا، وقررت مقاضاة شركة إنتاج الفيلم، لكم تم تسوية الأمر وديا.
المثير أن الفنان فاروق الفيشاوي وفيفي عبده والمخرجة ايناس الدغيدى، حضروا استجواب القاتل في مكتب العقيد عبدالوهاب خليل بمديرية الأمن بعد ان قرروا انتاج فيلم عن قصة القاتل، وظل فاروق الفيشاوي يتابع طوال التحقيق تعبيرات القاتل وحركاته ثم بدأ يوجه له العديد من الأسئلة عن مشاعره في أوقات ارتكاب الحوادث وعلاقته بالأخرين فاروق الفيشاوي سيقوم بدور القاتل وفيفي عبده ستقوم بدور الزوجة العراقية ..

لم يندم السفاح على ما فعله، وعند سؤاله عن سبب عدم ندمه، قال: “لأنني إنسان واقعي، فقد الغيت تفكيري الآن تماما حتى استطيع أن أقف على قدمي، فأي شعور بالندم أو الحزن لن يفيد، وأيام عمري أصبحت معدودة.
الغريب أن المسيري رفض المحامي الذي أوكله له والده، وقال: “حتى يصدر الحكم ضدي دون أي تأثير، وأنا لا استحق أي رحمة أو تخفيف العقوبة.
عرض الصحفي على المسيري أن يحضر له محلل نفسي لكي يحلل شخصيته النفسية، فقال المسيري ساخرا: “محلل نفسي إيه وطبيب نفسي إيه، وعلماء إيه، هاتهم علشان أنا أحللك شخصيتهم، وهعرف أعالجهم.
الغريب أن المسيري قال إنه فعل كل ما فعله، لأنه يشعر منذ بداية وعيه أن عمره قصير ويريد أن يجرب كل ما يأتي في رأسه، موضحا أنه كان يمسك بمسدس دائما، وكان ينوي أن يقتل نفسه عندما تظهر الشرطة، لكنهم خدعوه.
ومن أخلاق الدكتور أحمد شفيق، إنه أدلى بأقواله في حادث سفاح المهندسين، قال إنه بعد حادث اقتحام فيلته في الهرم، لكنه طلب منهم عدم اتخاذ أي إجراءات رسمية حرصا على مكانته الأدبية، ومن أجل كلمة الشرف التي قدمها للمتهم بعدم الإبلاغ عنه.
في سنة 2001، كان خالد الصاوي سيقوم بدور السفاح، وهو الذي كتب سيناريو الفيلم عن قصة خالد عكاشة، وكانت حنان ترك ستقوم بدور الزوجة العراقية، لكن تعثر المشروع أكثر من مرة، فعدل خالد الصاوي عن القيام ببطولة الفيلم، ليقوم به هاني سلامة، وحلت نيكول سابا بدلا من حنان ترك.
أقرأ أيضا




