
ماذا كان إحساس رئيس مباحث قسم شرطة الجيزة وهو يقود سيارته عائدًا إلى منزله عند الظهر، متمنيًا أن ينال قسطًا من الراحة ليعود مرة أخرى إلى عمله، عندما جاء صوت ضابط الدورية اللاسلكية عبر الجهاز، يقول: إشارة لرئيس المباحث.. هناك بلاغ عن العثور على جثة قتيل في الشقة رقم ١٢ بالعمارة رقم ١ بشارع قرة ابن شريك..
سأل الضابط (عبر اللاسلكي): هل هناك أية معلومات عن شخصية القتيل؟
رد ضابط الدورية: إنه المخرج السينمائي نيازي مصطفى.
تغلب ضابط المباحث على دهشته، وعاد يسأل وماذا عن القاتل؟ ساد الصمت لحظات.. وأخيرًا جاء صوت ضابط الدورية ليقول: القاتل.. مجهول.
لتفتح قضية من أغرب القضايا، لم تحل حتى الآن.. لكن أسرار هذه القضية من أغرب القضايا التي يمكنك القراءة عنها..
عندما وصل رئيس المباحث إلى العمارة التي كان نيازي مصطفى يسكن بها لم ينتظر حضور المصعد.. وأسرع يصعد ثلاثة طوابق بسرعة حتى توقف وهو يلهث أمام الشقة رقم ١٢ كان باب الشقة مفتوحًا.. ودهشته اكتشف رئيس المباحث أن هناك أشخاصًا بالداخل يقفون في ردهة الشقة.. تقدم أحدهم نحوه.
وقال: أنا جلال محمد مصطفى شقيق نيازي.
كانت عينا الضابط تدوران في المكان بسرعة وتسجلان كل التفاصيل الدقيقة.. وفي لحظات كان صورة الشقة قد انطبعت تمامًا في مخيلته.. وجدها مكونة من ثلاث غرف ومطبخ وحمام.. غرفة صالون على يسار المدخل.. ومكتبة تتصدر الجانب الأيمن من مدخل الشقة.. ثم جهاز تلفزيون ضخم.. ثم حجرة الطعام وبها منضدة خشبية امتلأت سطحها بالأوراق والدوسيهات المبعثرة (بوفيه).. خشب مليء بالكتب القديمة.

أما الجثة
فكانت جثة المخرج مسجّاة فوق الفراش، ساكنة على نحو يبعث على القشعريرة، يرتدي جلبابًا أبيض اللون، وبجوار رأسه وُضِعت قطعة قماش من النوع المستخدم في فرش المقاعد، وكأنها تُركت هناك عمدًا لا سهوًا.
أما يداه، فقد كانتا مقيّدتين من الخلف بإحكام، بواسطة ربطة عنق «كرافتة»، في مشهد لا يترك مجالًا للشك بأن ما حدث لم يكن قضاءً وقدرًا.
بدت آثار الدماء واضحة على أنفه وفمه، وحين انحنى ضابط المباحث ونظر إلى الأرض، اكتشف أن الدم لم يتوقف عند الجسد، بل امتد ليُلوِّث السجادة أيضًا، كأن المكان نفسه شاهد على الجريمة.
التفت الضابط إلى شقيق نياري مصطفى، وعيناه تلاحقانه في صمت ثقيل، طالبًا منه أن يروي كيف تم اكتشاف هذه النهاية المفزعة.
قال الشقيق لرئيس المباحث إنه، أثناء قيامه بعمله اليومي في استديو الأهرام، أبلغه أحد زملائه بأن شقيقه نياري مصطفى يعاني من أزمة مرضية مفاجئة.، ذهب مهرولا للشقة، ووهناك، في هدوء قاتل، كان نياري مصطفى ممددًا بلا حراك.
لم يكن مريضًا…كان قتيلًا.
من هنا تبدأ واحدة من أغرب القصص التي ربما لا تخطر لك على بالك..وما قصة صاحبة الصورة؟ 
تقدم الضابط نحو غرفة نوم المخرج القتيل.. كانت غرفة واسعة تقع في مواجهة الداخل إلى الشقة.. بها بوفيه ومكتب مكدس بالكتب والأوراق.. ثم دولاب لملابس وأريكة وتسريحة.
وأخيرًا نظر الضابط إلى الفراش.
كانت جثة المخرج العجوز على الفراش كان يرتدي جلبابًا أبيض اللون.. وبجوار رأسه قطعة قماش خاصة بمفرش المقعد.. أما يداه فكانتا مقيدتين من الخلف بواسطة ربطة عنق «كرافتة»، وكانت هناك آثار دماء على أنف وفم المخرج القتيل.. ونظر ضابط المباحث إلى الأرض ليجد أن الدماء كانت تلوث السجادة.
شهادة الطباخ
الطباخ العجوز محمد عبد الله محمد (٦١ سنة) فقال لضباط المباحث: أنا أعمل في خدمة الأستاذ نيازي منذ مدة ٢١ سنة.. وقد حضرت إليه في الثامنة صباح أمس ودخلت الشقة عن طريق باب المطبخ.. وانصرفت بعد أن قمت بطهي الطعام له.. ثم عدت مرة أخرى في السادسة والنصف من مساء اليوم لإعداد وجبة العشاء وانصرفت في الثامنة والنصف.. وعندما حضرت صباح اليوم وجدت باب المطبخ مغلقًا.. فذهبت لأدق على باب الشقة فلم يرد.. وهنا شعرت بالريبة وتوجست أن يكون مكروه قد حدث للأستاذ نيازي.. فاتصلت بالسيدة شقيقته وأحضرت منها مفتاح الشقة.. واتصلت بشقيقه الأستاذ جلال في الاستديو.. وعندما حضر فتحنا الشقة..
وغلب الانفعال على الطباخ العجوز.. تساقطت دموعه.. وأجهش بالبكاء وهو يقول: ودخلنا لنجد أن الأستاذ نيازي قد مات مقتولًا.
من أين نبدأ ؟

كان على رجال المباحث أن يسيروا في كل الاتجاهات بحثًا عن خيط يقودهم إلى إزالة الغموض والقبض على القاتل المجهول، وفي ساعة متأخرة من مساء نفس اليوم بدأت النيابة تحقيقات الحادث.. وحتى الصباح سهر مدير النيابة واثنان من وكلاء النيابة يستمعون إلى الشهود في القضية التي لم يُغلق ملف التحقيق فيها حتى اليوم.
كانت كل الأسئلة تدور حول سؤال واحد:
لماذا قُتل نيازي مصطفى؟ ومن قتله؟
والغريب أن الإجابة لم تُكتب حتى هذه اللحظة.. ومع ذلك.. فإن تحقيقات النيابة كشفت عن حقائق مثيرة.. مثيرة!
كان آخر ما قاله نيازي مصطفى لطباخه العجوز، وهو آخر شخص رأه على قيد الحياة : “يا محمد سيبني على راحتي، هاتلي العيش وأمشي”.

التصرف الذي دمر القضية وصعبها
كانت الساعة حوالي ٣ ظهرًا، فتحت الشقة، لقيت كل الأنوار مضاءة، مشتت على حجرة النوم.. لقيت الأستاذ مرمي بين الدولاب والسرير على ظهره.. صرخت.. جريت على بره، خبطت على شقة جارنا الأستاذ إسماعيل، وصرخت: الأستاذ مات..
وبعدين طلبنا الأستاذ جلال وأنا قاعد عند الأستاذ إسماعيل، جارنا لغاية ما حضر الأستاذ جلال أخو الأستاذ نيازي ومعاه واحد أو اتنين، وأخذ مني المفتاح ودخلنا الشقة.
نظر الأستاذ جلال إلى المرحوم، ثم قام بتقبيله، وقال بأسى:
«نيازي.. دي موتة تموتها؟»
ثم قال جلال شقيق نيازي لمن حوله: شيلوه…. وهو التصرف الذي سيضع على جثة القتيل ألف ألف بصمة..
يكمل الطباخ: “شلناه، وحطيناه على السرير، وراح أخوه شايل الفوطة اللي كانت في فمه، ولقيناه متكتف ومربوط بكرافته، وخرجنا أنا والأستاذ جلال اللي قفل باب حجرة النوم على جثة الأستاذ نيازي، واتصل بالبوليس، وده كل اللي حصل.

سأل المحقق الطباخ، هل كان الأستاذ يعزم أحد، فقال له الطباخ نصا: “مكانش بيعزم حد لانه كان بخيل جدا” خاصة بعد وفاة زوجته كوكا، فسأله عن أقرب الناس للمخرج، ليكشف عن الكثير من الأسرار، ستجعل من تحقيقات النيابة كأبوسا، بسبب ضخامة ما سيجدوه..

من هم المحقق معهم ؟

البداية من قصة حب كان يعيشها المخرج مع ممثلة شابة، وعدها ببطولة فيلمه،
أرسل طلب ضبط وإحضار للمشتبه فيها (الفنانة الشابة منى إسماعيل) لكن زوجهاـ كان رجل أعمال تزوجها قبل عام من وقوع الجريمة ـ رفض حضورها أمام النيابة كمتهمة وقال لها: «لو رحتي التحقيق اعتبري نفسك طالق» وعندما أبلغت ذلك لجهات التحقيق تم استجوابها في منزلها، في التحقيق المنزلي قالت: «لست مسئولة عن حبه لي، ولم أتزوجه عرفيًا كما قال، وانقطعت معرفتي به منذ أن تزوجت واعتزلت التمثيل» وبعد ثلاثة شهور وبالتحديد في ـ 15 يناير 1987 أُغلق محضر القضية وقيدت الجريمة ضد مجهول.
وحول سير التحقيقات وما أسفرت عنه في جريمة قتل المخرج ، يضيف خيري حسن في كتابه “لا شيء هناك”،: بدأت سلسلة من التحركات الأمنية للوصول إلى الجاني وقامت النيابة باستدعاء ما يقرب من 20 امرأة متزوجة لمباشرة التحقيق معهن لوجود أسمائهن مسجلة في أجندة المجني عليه ـ بعضهن طلقن فور خروجهن من أمام جهات التحقيق.
نهاية المقال
ربما لا نعرف القاتل لكن يمكننا استنتاج ان القاتل يعرف المخرج لأنه فتح الباب له وادخله، فم يكن هناك أي آثار للعنف على الأبواب، والاكيد ان الغرض من الجريمة لم يكن السرقة، لأنه لم يكن يحتفظ بمال في منزله، ولم يفقد شيء من المنزل، القاتل كان يبحث عن اوراق مهمة ولهذا سبب الفوضى العارمة في الشقة، ربما يكون الغرض من الجريمة الانتقام من نيازي مصطفى، لكنها كلها تظل تكهنات.
في كتابه ضد مجهول، يقول الكاتب محمود صلاح في نهاية سرده لقصة نيازي مصطفى: انتهى نيازى مصطفى، وكانت آخر ورقة فى تحقيقات النيابة تقول: بعد مطالعة التحقيقات قُيدت الواقعة جنائية بالمادة ٤٠٤ من قانون العقوبات.. لأنه فى يوم ١٨ أكتوبر ١٩٨٦ بدائرة قسم الجيزة.. قتل عمدًا نيازى محمد مصطفى.. أحاط عنقه بقطعة من القماش وضغط عليه بشدة.. قاصدًا من ذلك قتله.. فأحدث به الإصابات والأعراض الموصوفة بالصفة التشريحية والتى أودت بحياته..
وكانت آخر ورقة التحقيقات قالت: قُيدت الواقعة.. ضد مجهول!

فتح القضية من جديد
المصادر
– كتاب ضد مجهول وحوادث آخرى – محمود صلاح
– ارشيف الانترنت.
من قتل نيازي مصطفى مخرج فيلم عنترة بن شدّاد؟






